نساء من زمن الأسطورة

نساء من زمن الأسطورة

ملخص المقال:

إن قوة التاريخ المغربي ومتانة حضارته وسمو شعبه والتحام أبناءه، جعل منه منارة إشعاع حظيت بالكثير من الاحترام والتقدير وكذا الهيبة على مختلف العصور. وبما أن المغاربة كيان واحد بنا تاريخه على مبدأ التشارك والمساوة. فإن إشراكهم للمرأة في بناء كيان الدول وكيان الحكم بها لم يكن محل صدفة أو عبور عادي، بل جاء نتيجة النظرة الرزينة التي كانت تحظى بها المرأة في أعين مجتمعها. وما مشاركتها في الحياة السياسية والاجتماعية عبر مختلف العصور إلا أكبر دليل على هذا الدور المتين والمتميز.

الكلمات المفتاح: المرأة المغربية، الأميرة شمسة، المغرب القديم، الفتح الإسلامي.

 

تقديم:

ذ. موسى المودن
ذ. موسى المودن

كثيرة هي الأعلام التي بعثت في تاريخ المغرب أثرا وزخما كبيرا، حتى كاد أثرها البهي يطغى فيصبح في عداد التسطير الأسطوري لا الدفق الإنساني، وأعلام شمال المغرب سواء من النساء أو الرجال أو حتى الشباب، ما هم إلا سني أثر برز فتألق فأعطى.

وإنه وإن كثرت الأقلام التي سطرت عن هذا العبق الملموس، فإن الكثير من الأقلام خجلت عن تسطير سنا أثر بعض الشخصيات التي فضلت الانزواء ما بين السطور على التواصل بين الأنام، ونحن في هذا المقال المقتضب، سنحاول تسليط الضوء على إحدى هذه الشخصيات التاريخية المغربية التي دار حولها زخم من الحديث الجانبي، الذي ضمنها البعض ضمن مجال الأسطورة المنقولة بين الشفاه، والبعض الآخر الذي ظن بانها مجرد عبق من حضارة الوثن، رفضت التخلص من عباءة الماضي، فزاحمت أحياء الحاضر.

إننا هنا نشير إلى شخصية الأميرة العواء، أو الأميرة شمسة حاكمة تطاون الأسطورية، وما دار حولها من دففقات أسطورية، سنحاول دفع شخصيتها من عالم الأسطورة المدفونة، إلى ساحة المناقشة الواضحة. لنبني لها بذلك صرحا سرمديا، ربما يكون في الأغلب أسطوريا.

 

  • المرأة المغربية نموذج متميز على مر التاريخ.

لقد اكتسبت المرأة المغربية على مر التاريخ دورا مهما في الحياة العامة والخاصة في البلاد، فقد كانت مسئولة على الكثير من المهام، بداية من المنزل وانتهاء بأعمال الحقول والتسويق التجاري للسلع بالأسواق. فكانت بذلك امرأة مكتملة الوظائف، حتى أنها كانت تطغى وظائفها لتزاحم وظائف الرجال.

فها هي للاعذراء بنت مسجدا بتازة، وربت ابنها ابن بطوطة على روح الاستكشاف والإقبال على الاطلاع والاستزادة من المعرفة بالحياة وبأحوال أهل البلاد النائية حتى دخل التاريخ كرحالة كان له شأن كبير في السفر والتجوال[1].

كما أن المرأة المغربية اكتسبت تجربة كبيرة في التربية والتعليم والتوجيه، فإنها أيضا كان لها دور مهم في المساهمة في النهوض بالشأن الديني وبشكل متميز، فها هي فاطمة الفهرية قد أسست جامع القرويين، المعلمة الثقافية الكبرى، ومفخرة مدينة فاس التي يعود لها الفضل في إصباغ لقب العاصمة الثقافية للمغرب على هذه الحضارة العريقة، في حين شيدت شقيقتها مرح الفهرية جامع الأندلس في منطقة غير بعيدة عن الجامع السالف الذكر[2]. أما في العهد الموحدي فقد كان للمرأة وإبداعها حضور ثقيل ومتميز جدا، حيث كانت تميمية بنت يوسف بن تاشفين وأم الهنا بنت القاضي، وحفصة بنت الحاج وغيرها من ربات العقول وذوات القرائح الفياضة إبداعا وفقها وعلما ومن الشاعرات النابغات في عصور كانت فيها المرأة المغربية تعاني من التخلف وضيق الأفق الفكري [3].

وقد كان الحضور المتميز للمرأة في الحقول الأدبية والعلمية والمجتمعاتية رهين بالوضع السياسي والاجتماعي. وبمدى قوة الحركة الأدبية والعلمية بداخله، حيث عرفت بعض العصور نشاطا مهما وباهرا للمرأة المغربية، وعرفت أخرى غيابا شبه تام. ويعزى الأمر إلى الأوضاع السياسية بالمغرب، والتي كانت دائما في تقلب واضطراب مستمرين.

– تجربة الحكم لدى المرأة المغربية.

إن الحضور المتميز للمرأة المغربية في كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية، جعلها تتبوأ مناصب سيادية مهمة في الحياة السياسية في المغرب، وتعتبر ظاهرة تقديس المرأة من أهم تجليات هذا الأثر، فها هي أخت حاميم المتنبي دابو الغمارية تقود مجتمعها بمعية أخيها، وكانت كاهنة من أجمل الناس وكانوا يستغيثون بها في كل حرب وضيق ويزعمون أنهم يجدون عليها نفعا [4] وما هذه الحظوة المتميزة داخل مجتمعها إلا دليل واضح على قوة تأثير المرأة فيه، ومكانتها به. حتى أن هذه الشخصية اكتسبت صبغة أسطورية في التأريخ لها، فقد كانت القبائل الغمارية تقدس هذه الأخيرة وتعتبرها بمثابة الإله الذي يرجع له في أي ضيق وأي كرب.

إن مكانة المرأة المغربية كصانعة للقرار من جهة، وكمسيرة للحياة السياسية من جهة أخرى لا تتغير، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. فها هي المرأة الوطاسية، وفي شخصية السيدة الحرة التي حكمت تطوان ونواحيها لمدة لا تقل عن ثلاثين عاما تميزت فيها بقوة الشخصية، وطول الباع في عالم السياسة وتدبير الشأن العام[5]. حتى سمتها المصادر الغربية في كثير من وثائقها القديمة ب”باربروسة التطوانية”، وغيرها من الأسماء البطولية التي تشهد على مكانة المرأة المغربية وقوة حضورها في الحكم المباشر للبلاد.

أما فيما يخص الحكم الغير مباشر، والاستشارة السياسية، فقد كان شائعا في الكثير من مناحي حكم الدول المتعاقبة على حكم المغرب. حيث توالت أدوار المرأة المغربية وتعمق حضورها في عهد العلويين اللذين لم يبخلوا أبدا على المرأة بالتقدير والتشجيع، وإفساح كل مجالات المشاركة لها. وتجسدت تلك الدورا في عائشة المباركة الزوجة الثانية للمولى إسماعيل، وللا الضاوية وللافاطمة، زوجتي السلطان محمد بن عبد الله[6]. وغيرهم الكثير الكثير.

– شمسة أميرة قرية سمسة ونواحيها.

ارتبط ذكر هذه الأميرة بذكر قرية سمسة ونواحيها، فحسب ما تركته المصادر التاريخية، أن هذه الأميرة كانت تحكم قرية تطوان ونواحيها، انطلاقا من قاعدة حكمها في قرية شمسة، هذه القرية التي سميت على اسمها. فقد ذكر الحسن الوزان في سياق حديثه عن تاريخ تطوان والمنطقة، على أن القوطيين أيام ولايتهم على هذه النواحي، ولو امرأة كانت تسمى شمسة إمارة هذه المدينة[7]. إذن، يقترن وجود هذه الشخصية بالحكم القوطي للشمال المغربي، كما يقترن اسمها بحكمها للنواحي المحيطة بسبتة، وهذه النواحي التي كانت تعرف آن ذاك بمملكة غمارة، وكان الكونت يليان الغماري من أبرز حكامها، حيث كان أميرا لهذه القبائل حسب تعبير ابن خلدون وغيره من المؤرخين، وبالضبط يكون سياق ظهورها في منتصف القرن الأول الهجري، السابع الميلادي.

إن التأكيد على وجود هذه الشخصية أمر صعب، وخصوصا إذا اقترن الأمر بقلة المصادر التاريخية ونذرتها، حيث أننا نجد أن أقدم من تحدث عن هذه الشخصية هو ليون الإفريقي، صاحب كتاب وصف إفريقيا، ولابد أنه نقل هذه المعلومة من التراث الشفهي للمجتمع المغربي في تلك الفترة، وأنه من خلال هذا النقل، يمكن أن تكون ملامح وجود هذه الشخصية أمرا غير مستبعد، وخصوصا إذا اقترن الأمر بأماكن نفوذ القوط، حيث كانت المراكز الساحلية القريبة المشرفة على المضيق، محط أطماع القوط الموجودين بإسبانيا، اللذين لم يترددوا في مد نفوذهم إلى هذه الجهة كلما سنحت لهم الفرصة[8].

وقد اقترن وجود هذه الأميرة كما قلنا بسيطرة القوط على المراكز البحرية وتوسعهم في الناحية الغمارية، فكانت تولية هذه الأميرة على القبائل والمدن المسيطرة عليها أمرأ ضروريا لحفظ الولاء وضمان الاستمرار، وخصوصا إذا كان الأمر مقترنا بشخصية أمازيغية ذات نفوذ واعتبار كبير داخل مجتمعها، وعلى الأرجح أن أصل هذه الشخصية يرجع إلى بلدتها التي أخذت نفس اسمها، كما أن قوة نفوذها وسطوتها تدلان على المكانة المتميزة التي كانت تحظى بها في مجتمعها، وخصوصا إذا اقترن وجودها بهذه الناحية بجباية الضرائب واستتباب الأمن. وبالتالي فإن إيراد هذه الشخصية ضمن سياق التراث المجتمعاتي زاد من علامات الاستفهام حول الدور المحوري لهذه الشخصية، وقوة حضورها في الساحة السياسة، ومكانتها التي كانت تتبوئها في تلك المرحلة، وعن وظيفتها الحقيقية وموقفها من الفتوحات الإسلامية وغيرها من الأحداث السياسية التي واكبت حكمها للناحية.

إن الكثير من الحيثيات التاريخية المحيطة بهذه الشخصية ضائع ومبهم، والكثير الآخر يشبه الأسطورة، ولا غرابة أن يكون قدوم الإسلام إلى هذه الناحية وإسلام أهله قد غيب الكثير من مظاهر الثقافة الوثنية التي كانت قائمة هنا قبل مجيئه. بل وأفنى الكثير من آثاره وجعلها من الطابوهات المسكوت عنها. وخصوصا أن الأميرة وسياق وجودها ارتبط بالفترة الوثنية من تاريخ المنطقة والمغرب.

ولا شك أن قيام هذه الأميرة بجباية الضرائب من النواحي جعلها تكتسي سمعة سيئة، وخصوصا أنها كانت تأتي لمدينة تطوان كل يوم، أو كل أسبوع، لقبض الضرائب التي كانت لها عليها[9]. وبالتالي فإن المجتمع الغماري في تلك الفترة وبفعل الأزمات التي كان يمر بها المغرب قد رسم صورة قاتمة عن هذه الأميرة، وخاصة أن الروايات ذكرت أن هذه الشخصية كانت عوراء[10]. وعلى الأرجح أن تسمية هذه الشخصية بشمسة له علاقة وطيدة بالمظاهر الوثنية التي كانت تدين بها تلك المنطقة، فأهل مدينة تمودة(الفينيقيون) اللذين كانوا يقدسون المظاهر الطبيعية في تلك الفترة، ويجعلون الشمس جزء مهما من عبادتهم. فهل كانت هذه الشخصية مقدسة تقديس آلهة هؤلاء؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات أمر صعب ومستحيل، لأن ما حفظه التاريخ عن قرية شمسة وتاريخها العريق لا يفي بالغرض أبدا، وأن غياب دراسات عميقة لمثل هذه الظواهر شبه غائب، وحتى التناول التاريخي لمثل هذه الشخصيات ناذر جدا، وهذا ما يجعل من حل لغز الأميرة العوراء أمر شبه مستحيل.

إلا أنه لا يبعدنا من كون هؤلاء الناس كانوا يقدسون الشخصيات النسوية ذات القدرات الخارقة، فها هي أخت حاميم المتنبي تحظى بالتقديس والتأليه عند مجتمعها، فتجدهم يستغيثون بها في الحروب والقحوط وفي معاركهم ضد الوافد الأندلسي الذي رأى في دعوة حاميم إجهازا خطيرا على دعوة الإسلام وترسخ جذورها هناك.

إن مثل هذه الوقائع التي كانت تحدث بالقرب من هذه المنطقة تشير إلى المرجعية الدينية لهؤلاء الساكنة، وخاصة إذا اقترن الأمر بتقديس بعض مظاهر الطبيعة، كتقديس الغابات والحامات والأشجار وكذا الأماكن والشخصيات.

إن نزوع ساكنة سمسة وضواحيها إلى تقديس مثل هذه الظواهر ترجع بنا القهقرة إلى عهود مضت، كانت الديانة الوثنية هي القائمة بين ظهران هذه الجبال، كما تؤكد لدينا فرضية عبادة أهل هذه المنطقة لشخصيات معينة. وربما كانت حكاية الأميرة العوراء جزء من الثقافة الوثنية التي بقيت مترسخة في الذاكرة الإنسانية، فهل يا ترى كانت هذه الأميرة إلاها يتقرب إليه بالعبادة، كما كان الفنيقيون يفعلون في مدنهم من قبل؟ أم أنها شخصية تاريخية مؤثرة كان لها دور محوري في حياة هؤلاء الساكنة، واستحال نسينها في الذاكرة الشفهية لهم. واستطاع الإنسان المغربي أن يبلورها ضمن الثقافة الإسلامية، وأن يحذف الكثير من التفاصيل الوثنية المحيطة بها؟

إن غياب المعطيات التاريخية المسطرة عن هذه الفترة الحساسة من تاريخ المغرب، وإن حضور الكثير من مظاهر الحياة المتمدنة فيه، والتي جاءت نتيجة الاكتشافات الأثرية في بعض المواقع كمدينة تمودة، ونهر مرتيل، وغيرها من المناطق تثبت أن هذه الأماكن كانت تعيش حركة اجتماعية ثقافية اقتصادية مزهرة، وأن فرضية نشوء كيان متميز بها أمر غير مستبعد أبدا، وأيضا يضخ في احتمالية إمكانية وجود هذه الأميرة، التي ارتبط اسمها بعالم الجن والخوارق والسطوة والقوة.

 

  • سياق ظهور الأميرة ومميزات حكمها.

وصلت الجيوش العربية إلى المغرب خلال القرن 7م، لتبدأ معهم مرحلة جديدة أرخ لها مصدر جديد، وهو المصدر العربي، الذي اهتم أساسا بالفتح العربي لبلاد المغرب العربي ومجرياته[11]. وفي هذا السياق كان الشمال المغربي تحت حكم إمارة القوط، حيث كان صاحب سبتة والمسيطر على المضيق، والذي تتبع نفوذه الكثير من القبائل الغماررية المحيطة بقاعدة حكمها، يهيمن على المنطقة ويقف حاجزا أمام تقدم الجيوش العربية بفعل قوة وحصانة المدينة التي كان بها، وبسبب وجود أسطول بحري قوي بين يديه، فكانت مهادنته أمرا واقعا من طرف ولات بني أمية اللذين اختاروا سلوك طريق المهادنة تجنبا للصدام.

وقد اعتبره ابن خلدون حاكما على قبيلة غمارة وملك لها[12]. فكان توسع نفوذه على القبائل أمرا طبيعيا، وتوليته للأميرة شمسة أمرا عاديا، وخصوصا أن الأمر متعلق ببث النفوذ على هذه القبائل والمدن المهمة التي كانت تمثل محيط مدينة سبتة الاستراتيجي ودفاعاتها المتأخرة، وبالتالي فإن تقوية النفود على هذه القبائل كان أمرا ملحا، وتولية شخصية من أبناء المنطقة عليها زاد من متانة الدفاع وقوة التحصين. وكذلك منبعا لتجنيد الجيوش وتكثيرها، كما كان لسيطرت القوط على باقي المراكز البحرية ك: (مليلية وبادس وتيجساس) وغيرها دور مهم في توطيد سيطرتهم على الملاحة البحرية في المتوسط. كما مكنهم أيضا من توسيع حكمهم للكثير من المناطق المحيطة بهذه المراكز البحرية المنتشرة على الساحل المتوسطي.

إن سياق حكم الأميرة شمسة كان يتسم بالكثير من الاضطرابات المتوالية، وخصوصا أن المغرب كان يتعرض إلى ضغط شديد من طرف الجيوش الإسلامية، فكان دور هذه الشخصية في الحفاظ على حكم القوط في هذه المنطقة دور مهم وحاسم، وهذا الدور هو الذي جعل يليان بمساعدة القوط من صد هجوم موسى ابن نصير[13]. مما اضطره إلى الرجوع عنهم إلى طنجة، وجعل يجتث ما حولهم بالمغاورة فلم يطقهم، وبعد عجزه عن فتح المدينة اتفق مع الأمير على دفع الجزية، واسترهن ابنه وأبناء قومه[14].

والغريب في الأمر، أن لا مصدر تاريخ يشير إلى هذه الشخصية، فهل يكون ثقل تأثيرها ومقاومتها المسلمين دفع المؤرخين إلى تعمد تغيب أدوارها، أم تكون الشخصية المذكورة مجرد دفق سرى بين الأقلام وصمت؟

 

– جدلية الوجود الفعلي لهذه الشخصية.

إن فرضية انتماء هذه الأسماء للثقافة الوثنية أصبح أمرا واقعا، وإن النبش في خصوصيات هذه المرويات أصبح أكثر إلحاحا وضرورة، وإن التأكيد على نسبية الكثير من المرويات التاريخية أصبح من مسلمات البحث التاريخي. وبالتالي فإن الوجود الفعلي لهذه الشخصية المغربية وفي هذه الفترة التي يغيب عنها التأريخ الدقيق، يشوبه الكثير من الشك، إلا أن ترسخ هذه الشخصية في الذاكرة التاريخية للمغاربة تجعل من إمكانية قيامها ووجودها أمرا ممكنا أيضا.

إلا أن الأساطير التي حامت حول هذا الوجود الفعلي تؤكد أن القضية فيها نوع من الصدق، وخصوصا إذا اقترن هذا التواجد بالجن والطقوس الوثنية القديمة. فهذه الأميرة حسب التسطير التاريخي هي أميرة عوراء، وهي جابية للضرائب، ولها هيبة كبيرة ضمن هذه المنطقة. وهذه الهيبة لا تكتسب إلا إذا كانت لهذه الشخصية قدرات تستحق أن تأخذ الإمارة عليها. وخصوصا إذا كانت الأسطورة تتصور أميرة تطوان عوراء، لأنها كانت عندها أنها من الجن[15].

إن ما يجعلنا نؤمن بالبعد الأسطوري لهذه الشخصيات التي كان لها حضور مهم ومميز في تلك الفترة، هو ما يحوم حولها من شكوك عديدة، من مسامياتها إلى الصبغة العجائبية التي سردت بها حكايتها، ومرورا بالقدرات الغير طبيعية التي كانت تميز وجودها، وانتهاء بالتقديس الغريب لها. فهذه الشخصية حسب ما سطرته الأقلام القديمة اسمها شمسة، وهذه التسمية عربية قحة، فلا يجوز أن تسند لهذه الأميرة أبدا في ظل وجود ثقافة بربرية، كما أن التراث الذي كان سائدا في هذه المنطقة هو الثقافة الأمازيغية واللغة الأمازيغية، فكان من الأجدى أن تأخذ القرية اسما أمازيغيا مميزا. كما سميت: ( تطوان، وتجساس، ومجسكة) وغيرها من الأماكن. وإلا فلماذا هذه التسمية العربية بالخصوص؟ ورغم ذلك فإننا لا نستبعد أن تكون التسمية قد نالها حظها من التعريب، كما نال المنطقة حظها من التعريب أيضا.

إن نظرة المؤرخين كانت واضحة لهؤلاء الجبليين، وقبيلتهم التي لم تزل الخوارج تقصد جبالهم للمنعة فيها[16]. حسب ما قيل. إلا أن التكهن بصدق ما قالته هذه الأقلام، وسطرته لنا الأسفار، يجعلنا نعيد صياغة المشهد من جديد. فنعيد بذلك بلورت الكثير من المسلمات القديمة حول المرويات التاريخية، بل ويجعل من إقامة مراكز للتنقيب والبحث الإيكولوجي أمرا ملحا وضروريا، وخصوصا أن الأبحاث التنقيبية في منحدرات جبل غرغيز اثبتت وجود حضارة فينيقية متميزة قديمة. فلما يا ترى لا تظهر وجود حضارات أخرى في مناطق تاريخية غنية ومهمة كمنطقة سمسة التاريخية؟

 

خلاصة:

إن الحديث عن تاريخ وشخصية الأميرة شمسة وخصوصيتها، مازال يحتاج لعملية بحث دقيقة تميط اللثام عن تاريخ الشخصية وتاريخ منطقتها التي لم تتداول الكتب عنها الكثير، وإنما بقيت مدفونة مقصية إقصاء القرية نفسها، وأن الحديث عن إمكانية ميلاد جديد لهذه الشخصية وبعض من جوانب حضارتها الوثنية ممكن لو كان الاهتمام مركزا ومنفتحا أكثر على الوثائق التاريخية الأجنبية. التي تعتبر ذات اتصال مباشر بهذه الناحية التي كانت تابعة للأمراء القوط اللذين مدوا نفوذهم إلى هذه القبائل، ونصبوا هذه الأميرة على هؤلاء الجبليين. فهل ننجح في استقصاء أثر هذه الأميرة وبعض من تاريخها العبق. إنها الأيام من ستقرر.

 

المراجع والمصادر:

1: رمزي صوفيا، محمد السادس ملك الإصلاح والتغيير، منشورات ار العرب للنشر والتوزيع، الصفحة، (ط/2016)، (ص/94).

2: رمزي صوفيا، محمد السادس ملك الإصلاح والتغيير، مرجع سابق، (ص/94).

 3: رمزي صوفيا، محمد السادس ملك الإصلاح والتغيير، مرجع سابق، (ص/94).

4: رمزي صوفيا، محمد السادس ملك الإصلاح والتغيير، مرجع سابق، (ص/94).

5: رمزي صوفيا، محمد السادس ملك الإصلاح والتغيير، مرجع سابق، (ص/94).

6: رمزي صوفيا، محمد السادس ملك الإصلاح والتغيير، مرجع سابق، (ص/95).

7: الحسن الوزان، وصف إفريقيا، منشورات مكتبة الأسرة، (ط/1986م)، (ج/1)، (/318).

8: عبد العزيز أكرير، تاريخ المغرب القديم، منشورات مطبعة النجاح، (ط/2006)، (ص/192).

9: الرهوني، عمدة الراوين، تحقيق جعفر بن الحاج السلمي، تطوان، منشورات جمعية تطاون اسمير، (ج/1)، (ص/164).

10: الرهوني، عمدة الراوين، مرجع سابق، (ج/1)، (ص/164).

11: عبد العزيز أكرير، تاريخ المغرب القديم، مرجع سابق، (ص/202).

12: عبد العزيز أكرير، تاريخ المغرب القديم، مرجع سابق، (ص/202).

13: عبد العزيز أكرير، تاريخ المغرب القديم، مرجع سابق، (ص/202).

14: ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، لبنان، منشورات دار الكتب العلمية، (ط/1991م)، (ج/6)، (ص/250).

15: السلمي جعفر، فصول في نظرية الأدب المغربي، تطوان، منشورات جمعية تطاون أسمير، (ط/2009م)، (ص/125).

16: ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، مرجع سابق، (ج/6)، (ص/261).

 

تابعونا على الأندريد

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.