التحليل الوظائفي  والإجراءات الأسلوبية وأثرها في التضام النصي في (قافلة العطش) للدكتورة سناء الشعلان

التحليل الوظائفي  والإجراءات الأسلوبية وأثرها في التضام النصي في (قافلة العطش) للدكتورة سناء الشعلان

 

–  رؤية نقدية – د. صالح حمدان / الأردن /

المجلس العالمي للبرامج الدولية CIEE

توطئة:

لست أعدو الصواب إذا قلت: إن في المجموعة القصصية الموسومة بـ(قافلة العطش)، للدكتورة سناء الشعلان قيمة فنية ومضمونية كبيرة ومهمة، وإجراءات أسلوبية تجعل منها نصا متضاما في الدال والمدلول، وهي من المجموعات الجريئة النادرة، التي تحيلنا إلى عالم المبدعين المتقدمين في العقود السالفة فكرا، وتمثل جانب التجديد فنا، وقد أبدو من رواد النقد الانطباعي ههنا، لكن لا يخفى على أحد منا أن الساحة القصصية قد طمّها وعمّها كثير من النتاج القصصي المحلق في هاتيك الساحة بلا عنوان أو هدف أو قيمة، ولم تتجاوز كثير من تلك القصص هالة المحاكاة التي فتن بها الكثير من مريدي الفن القصصي في الآونة الأخيرة، إذ جاءت لغتها السردية بمستوياتها الفنية،وأحيانا المعجمية مخيبة للآمال، وما اكثر العامليين الذي ذهبوا إلى التحليل والنقد  لهذه القصص، فجعلوا ممن لا يستحق الأنبياء الجدد لفن القصة القصيرة، دون الالتفات إلى أن الثناء على من لا يستحق سلب ممن يستحق كما قال كوليردج.

بيد أنّا ونحن نستقرئ مجموعة الشعلان القصصية، نجد فيها جوانب أسلوبية  من نوع خاص، وكذلك خصوصية المضمون المتصل بعلاقات مكانية ممتدة شرقا  وغربا، وللقاصة على ما يبدو رؤية في معالجة القضايا الاجتماعية من منظار مختلف، زد على ذلك لغتها السائغة الممتدة السهلة الممتنعة، ولا شك أن هذه اللغة الرفيعة التي تغوص فيها القاصة، تدل على أننا نواجه قاصة غيورة من الغيورات القلائل على أناقة اللغة العربية، فلا شك في أنها نطقت بلسان الغُيُر على عربيتنا،وهذا رأي.

وهذه الرؤية تتناول جانبين، الأول التحليل الوظائفي للقصة الأولى من المجموعة القصصية منفردة، يُحاول فيه الوصول إلى بؤرة نصية واحدة، والثاني سيتناول إجراءات القاصة الأسلوبية المتبدية في العنوان (قافلة العطش) والبحث عنه في هاتيك القصص مجتمعة واثر ذلك في تضام نصوصها، وكذلك إجراء المكان المختار في المجموعة الذي يفضي إلى مدلول واحد،مما يؤكد هذا التضام ايضا، على الرغم من تفاضل السرد فيها.

 

الجانب الأول : التحليل الوظائفي

جاءت “قافلة العطش” في ست عشرة قصة قصيرة تناولت فيها القاصة مسألة مهمة من المسائل التي تتصل بالحياة الإنسانية وهي (الحرمان) منطلقة من نماذج المرأة التي تمثل حقلا خصبا لهذه المسألة وما يقتضي ذلك من معاناة للمرأة وهي تواجه سلطة الرجل، وجور المجتمع، واستطاعت القاصة أن تمرر للقارئ العربي بأسلوب فني  منظم وواع صورة حقيقية لهذا الحرمان، تاركة للمتلقي المشاركة في الوصول إلى الحلول، ومراجعة الذات.

ولعل أكثر ما يميز هذه القصص عن سائر أسلوب القص في السوق الأدبية المعاصرة هو أن الدكتورة الشعلان استطاعت أن تشكل معاني النص في هذه المجموعة من مجموع خبراتها الحياتية الواقعية، وهذا الأمر أدى إلى بروز حالة من الانسجام والترابط النصي في القصة الواحدة على المستوى العمودي، من ناحية، وفي القصص مجتمعة على المستوى الأفقي من ناحية أخرى، فالحرمان كان البؤرة النصية التي ما انفكت تلح على القاصة في جل قصصها، وهذا يعني أنه بالإمكان دراسة هذه القصص منفردة أو مجتمعة، ومما يسهل ذلك التقانة الفنية التي وحدتها، والقيمة المضمونية التي دارت في فضائها تلك القصص.

والتحليل الوظائفي المرجو تطبيقه في هذه القصص ذلك الذي هو من صنيع فلاديمير بروب في كتابه مورفولوجيا الحكاية وهي وظائف تقترب إلى حد ما من مقصدية القاص الفنية،لا سيما إن كانت هذه الوظائف ثابتة ومتكررة في القصة القصيرة،وما أكثرها في قافلة العطش،  ومنها: الظهور، والتحذير، والخداع، والاختبار والاستطلاع، والشر، والصراع، والمخالفة، والتحول، والاستعانة والاختيار، والفقدان.

 

قافلة العطش:

تبدأ القصة من لحظة زمنية مكثفة تدور في إطار مكاني مختزل في الصحراء، وأول ما تطالعنا به القصة وظيفة الظهور، ظهور قائد القبيلة الذي جاء يهب الحرية لسبايا قبيلته “جاءوا يدثرون الرمال، وحكاياها التي لا تنتهي بعباءات سوداء تشبه أحقادهم وغضبهم وشكوكهم”.

ويتحول القص على عجل إلى وظيفة أخرى هي التحذير، وهذا التحذير تبدى في شخصية  قائد القبيلة  “كان طليعتهم بالسن وبالكلمة وبالغضب، عيناه كانت الناجي الوحيد من لثامه”.

ويعود القاص إلى وظيفة الظهور من جديد،وهو من مقتضيات السرد الذي يؤجج الحوار،  فيظهر البدوي الأسمر الذي أخذ نساء القبيلة سبايا، ” حملت كلماته إلى البدوي الأسمر الممترع بشبابه الأخاذ “.

وبعد ظهور شخصيتين يتهيأ القص إلى ظهور وظيفة جديدة تؤكد المعمار الفني المتصاعد للقصة هي وظيفة الاختبار والاستطلاع، فتبدأ أطراف الحوار – القائد والبدوي الأسمر باختبار قوة الآخر، فيقول قائد القبيلة وهو يعرض فدية النساء السبايا، مختبرا البدوي الأسمر ” لقد جئنا بالمال “، ويبقى القص في هذه الوظيفة، فيرد البدوي الأسمر مختبرا ومستطلعا ” أي مال ؟ “، فيرد القائد مختبرا ” جئنا نفتدي بمالنا نساءنا اللواتي أسرتموهن في غارتكم على مضاربنا”، فيرد البدوي الأسمر اختبار القائد قائلا ” أما هناك بد من ذلك ”

والقارئ في هذا الحوار يلمح أثر وظيفة الاختبار والاستطلاع ودورها في بناء السرد المتصاعد نحو الاحتدام، وهذا يعني التحول إلى وظيفة أكثر حدية واحتداما وهي وظيفة السخرية ” شعر العجوز الملثم بأن كرامته قد  أهدرت من جديد، وقال له بصوت صدئ متقزز”. ومن تلك الوظيفة: .”أو هناك بد من صون الأعراض وجمع الشتات وفك الأسيرات ؟”.

ووظيفة السخرية تحول السرد إلى وظيفة الصراع، فقد بدأ يظهر الصراع بين البدوي الأسمر ونفسه، فكيف له أن يوافق على هذه الفدية وقد هام  بابنة القائد الأسيرة ” أومأ البدوي الأسمر برأسه كأنه يصادق بصمته على ما يسمع لكنه كان حقيقة يختنق بعطش غريب يسلق حلقه المأزوم بكلماته التي تأبى أن تعبر عن مكنون عواطفه “.

ويستمر الصراع النفسي عند البدوي الأسمر بالسرد المتبدي في الحوار الداخلي ” من يعشق الخيل العربية الأصيلة لا يملك إلا أن يعشقها، لم تكن أسيرة السلاسل التي كبلت بها، بل كانت السلاسل أسيرة جموحها ورفضها “. ومن ذلك الصراع أيضا ” ها قد جاء والدها ليفتديه مع نساء قومها “.

ويتحول القاص بعد ذلك إلى توظيف وظيفة أخرى هي التحول، وهو ما تبدى في موقف البدوي الأسمر ” لقد كرم قومها لأجلها، أمر بأن يقدم الماء والغذاء للقافلة التي جاءت تسترد مهره القمري، ورفض المال ورفض الفداء، بل أنعم على كل النساء بالحرية “.

وهذا التحول في الموقف أدى إلى وظيفة جديدة هي الاختيار، فقد خير البدوي الأسمر السبايا في البقاء أو المضي مع القافلة ” وخيرهن بين البقاء أو الرحيل مع أبناء عشيرتهن، فاخترن كلهن الرجال”

وشعر البدوي الأسمر بالقلق، وأخذ يتحسس الفراق مبكرا، فيتحول السرد إلى وظيفة الفقدان :”أيستبدل بها المال ؟ أهو موعد الفراق ؟” ومن ذلك أيضا قولها إليه، “أنا عطشى” فهي تفتقد الحب والحياة

ويتحول  السرد إلى وظيفة الاختبار ممزوجة ووظيفة الاختيار، ذلك عندما خاطب البدوي الأسمر آسرة قلبه  ابنة قائد القبيلة ” اقترب منها، نظر في واحات عينيها، قال لها بانكسار بركان، وبخجل طفل: وأنت من ستختارين ؟… كاد يسمع صهيلها الأنثوي: عطشى إلى ماذا ؟ وترد ابنة القائد عطشى إليك” فقد اختارت البقاء في واحته.

واختيار ابنة القائد البقاء مع آسرها أدى إلى تصاعد حدية السرد من جديد فاحتدم الموقف، ليتجه السرد إلى التحذير وهو الوظيفة الجديدة ههنا ” ارتفعت سيوف القبيلة مهددة سيوف الضيوف، التي هددت الاسيرة العاشقة بالموت” فتتصاعد التقانة الفنية لتصل إلى ذروة الموقف (الحبكة)، وأثرها في توجيه السرد ليتحول إلى وظيفة جديدة هي وظيفة الشر والمخالفة: ” صرخ الأب: خائنة، ساقطة، اقتلوها، لقد جلبت العار لنا، وكيف تقبل حرة أن تكون في ظل آسرها “.وتتبدى هذه الوظيفة أيضا في المآل الذي آل إليه مصير النساء اللواتي اخترن العودة مع القافلة ” ورحلت قافلة العطش… وعند أول واحة سرابية ذبح الرجال الكثير من نسائهم اللواتي رأوا في عيونهن واحات عطش وعندما وصلوا إلى مضاربهم، وأدوا طفلاتهم الصغيرات، خوفا من أن يضعفن يوما أمام عطشهن ”

وغالبا ما تؤدي وظيفة الشر والمخالفة في تصنيف التحليل الوظائفي إلى وظيفة الفقدان، وهذا ما كان عند القاصة التي سرعان ما تحولت إلى هذه الوظيفة لأنها تدرك أهميتها، فالرجال الذين قتلوا النساء أصبحوا في حالة فقد لهن ” وفي المساء شهد رجال القبيلة بكائية حزينة فقد كانوا هم الآخرون عطشى ”

وهكذا تبدت الوظائف الفنية جلية واضحة في هذه القصة صعودا ونزولا، وقد كانت ثابتة ومتكررة، وهذا معيار مهم من معايير الفن القصصي.

الجانب الثاني

الإجراءات الأسلوبية وأثرها في التضام النصي

باديء ذي بدء، قد تبدو هذه القصص غير منتمية إلى حقل دلالي واحد، إذا ما طولعت للمرة الأولى، بيد أننا نجد تعالقا في محمولاتها منسجمة في إطار قريب متجاور، مما يدعو إلى القول: إن فيها تضاما نصيا ليس على مستوى القصة الواحدة (المستوى العمودي) فحسب، بل يتجلى هذا التضام على مستوى المجموعة متكاملة (المستوى الأفقي) أيضا.

ولعل ما يؤكد هذا القول هو أن جلّ هذه القصص مكتسبة من نظام اجتماعي ممتد جغرافيا- المكان، تشكل من الخبرة الحياتية للكاتبة، ولعل في الانتقال السلس من خواتيم القصص ومطالعها ما يؤكد لحمتها وتضامها النصي، وهذا ما يحقق القبول عند القارئ والناقد على السواء.

ووما يؤكد هذا التضام إلتقاء البؤر النصية الفرعية في تكوين بؤرة نصية رئيسة واحدة، بمعنى أنه توجد بنية نصية شاملة تدور في موضوع معين، مع أننا نجد بعض التفاصيل التي تتفاضل بين قصة وأخرى، ومرد هذا هو قدرة الكاتبة على استخدام أدوات اللغة وعلى تشكيل مادتها السردية.

وقبل الولوج في النصوص، وهي التي تنأى بنا عن التنظير، لا بد من الإشارة إلى أن هناك دوالاً ساعدت على تضام النص وهي إجراء أسلوبي واضح في هذه القصص، ومنها (الشاب الأسمر) الذي كان يحيلنا إلى غير قصة مما وحد المقامية لتلك القصص، كذلك يجد الدارس أن هناك بعض الإحالات المقامية في هذه القصص، اسهمت في ايجاد تواصل ذهني ممتد في ما بينها من جانب والعالم الخارجي من جانب آخر.

وفي ما هوآت، سنتناول إجراءين أسلوبيين أكدا هذا التضام هما: العنوان والمكان.

أولا: العنوان (قافلة العطش):

لعل أهم ما يواجة الكاتب بوصفه روائيا أو قاصا هو انتقاء العنوان، وهذه اشكالية محتدمة بين الكاتب وبين العمل الأدبي، وأحيانا نجد عناوين لا تتصل باي حال من الأحوال بالنص والسرد، ويذهب بعض النقاد إلى  تسويغ ذلك بالرمزية التي يعبر عنها هذا العنوان او ذاك، وفي هذا نظر، إذ لا بد من تساوق العنوان والجوانب الفنية على مستوى السرد في الرواية او القصة، وهذا الغربال لا بد من اجتيازه، ولا بد أن يعبر العنوان عن واقعية النص، إذا ما علمنا أن الفنان لا يكتب للنخب فحسب، وإنما يكتب للقارئ أيضا. دون أن نغفل أن انتقاء العنوان للمجموعات القصصية اصعب من اختيارها للروايات، فالفنان القصصي أول ما يفكر بالبحث عن عنوان جامع مشترك يشد من لحمة هاتيك القصص ليعبر عنها في جانبيها المضموني والفني.

والعنوان / العطش في هذه المجموعة القصصية مارس هذه السلطة تماما من خلال مدلولات ممتدة إلتقت في مدلول واحد هو الحرمان – حرمان الحب، واي حرمان ذلك المنشود، إنه حرمان المرأة في عالمها الخاص، وما يستدعي ذلك من بيئات متنوعة تحكمها  علاقات مكانية خاصة تقتضي الانتظار والفقد والمعاناة، بيد أنها تندرج في بوتقة الحرمان.

واختارت الكاتبة تمرير هذه القضية من خلال المرأة والرجل في هذه المجموعة القصصية، إلا أن الحرمان كان طاغيا  على المرأة اكثر بكثير مما هو عند الرجل فيها، فكان الراوي الأنثى – متقمصا هذا الدور، ولربما كان هذا لسببين: الأول أن الكاتبة تستهدف الرجل السلطوي، والثاني يتمثل في الخبرة الحياتية المكتسبة للكاتبة بوصفها تمثل الجانب الأنثوي، فغزلت على منوال الواقع المعاش لا المتخيل، مما أعطى هاتيك القصص صدقا فنيا من نوع خاص.

وإن كان العطش يقتضي الماء عند القارئ المعجمي، فإنه ههنا يقتضي الحب الذي هو اكسير الحياة وما يقتضيه من حرمان، وحتى نتبين اقتراب النظرية من التطبيق، لا بد من تعقب هذا الطرح في مدار النص، ثم الحكم على أثره في تضامه.

يتبدى العنوان / العطش في القصة الأولى “قافلة العطش”، وهي القصة التي وسمت بها المجموعة القصصية كاملة، بجلاء، فسرعان ما نهتدي إلى مدلوله (العطش إلى الحب) عند المرأة، وما يحيطه من استلاب وقمع ورفض، فعندما عبرت النساء عن عطشهن إلى الحب أنكر المجتمع عليهن ذلك، وراح يقتل فيهن تلك الرغبة المشروعة والتوق إلى الخلاص من الاستلاب والسلطة الذكورية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فقد  قتل النساء أنفسهن ” ورحلت قافلة العطش، كانت قافلة عطشى إلى الحب… وعند أول واحة سرابية ذبح الرجال الكثير من نسائهم اللواتي رأوا في عيونهن واحات عطشى: (1).

والعنوان / العطش، بمدلوله: عطش المرأة إلى الحب وإلى الرجل الذي يقدر مشاعرها متبد بجلاء في القصة الموسومة بـ”النافذة العاشقة” أيضا، وهذا يحيلنا إلى القصة السابقة، مما يؤكد التضام النصي  “.. منذ ان تزوجت رجلا لا يعرف من طقوس الرجولة إلا لحظات الفراش، التي تمر مثل إلتقاء غريبين في مرفأ عميق، ثم سريعا يلوّحان لبعضهما بالوداع دون أدنى مشاعر “(2).

والعنوان / العطش بذات المدلول في قصة: رسالة إلى الإله”، فها هي إلهة الحب “كيوبيد” تبحث عن حب واحد مثال، وهي عطشى إليه، فقد صمتت آذان الآلهة عن هذا، وهذا المقام يحيلنا إلى مقامية القصتين  الأولى والثانية ” لماذا هي مسجونة في هذا الجسد الأنثوي البغيض، تريد أن تتحرر، تتمنى لحظة حب واحدة ” (3).

والعنوان / العطش يمتد إلى قصة “الفزاعة ” وهو العطش إلى الحب من جديد، وهذا يحيلنا إلى عطش القصة الأولى والثانية والثالثة، مما يؤكد تضامها أيضا، بيد أن هناك تحولا في الراوي /المرأة إلى الراوي /الرجل، الذي تقمص دور العَطِش إلى الحب ” كان صوت بكائها لا يقل جمالا وتأثيرا في نفسه عن صوت غنائها، قدّر أنها حزينة جدا وفي حاجة إلى قلب يحبها بشدة ” (4).

والعطش / العنوان كامن في توق المرأة إلى الحياة والمأوى والحب، ففي قصة ” سبيل الحوريات ” تظهر هاجر بائسة  يائسة  حزينة منكسرة ” رأى امرأة مكسورة حزينة، رأى امرأة لم يتسعها العقل فهربت إلى الجنون ” (5)، ومن ذلك “كان متأكدا من أنها غير مجنونة، ولكنها مكسورة بشدة “(6).

والعنوان / العطش نجده في قصة “تيتا” والعطش ههنا لمن للمرة الثانية هو الرجل، وهذا يحيلنا إلى “قصة الفزاعة “، فالبطل هنا يقرر أن يخطف ساحرته عنوة، لعله يطفئ العطش والظمأ والجوع، خطا خطوتين إلى داخل خيمتها، كان يتفرس قسماتها بنظرات جائعة، قالت له بتلعثم وبشجاعة مزعومة ” ها قد جئت إذن، هل أقرأ لك كفك ؟ قال: بل جئت لأخطفك يا ساحرتي الجميلة، اقترب منها بجسده القوي وانحنى قليلا وحملها، وألقى بها على كتفه.. فانزلق نصفها الأعلى على ظهره، بينما بقي حاضنا فخذيها، وولى بها هاربا يقطع شيئا من رمال الصحراء، وهو يحمل ساحرته السوداء، تنهد شوقا ورغبة، كان مجنونا مسحورا، وخمّن أنه لن يشفى أبدا”(7).

والعنوان /العطش يتجلى من جديد في قصة ” الرصد” وهو عطش الرجل إلى الحب، وهذا يحيلنا إلى قصتي “تيتا ” و ” الفزاعة ” وفي هذه الإحالة يتبدى تضام النص، فهذا “عزوز الأعور” الذي كان ضحية حب الجنية الأفعى التي مثلت وظيفة الشر، لكن الكاتبة جعلت منها وظيفة إنسانية قدرت تضحية عزوز/الرجل،فهو لأول مرة يسمع ” امرأة تقول له أحبك طوال تاريخ حياته المجدبة، لم تحن امرأة عليه، واي امرأة ؟ امرأة الرصد، نظر عزوز باضطراب إلى اليهودي المستغرق في ما يقول، وقال بانفعال: كفاك…  أنا أحبها.. لكن الجنية الأفعى عشقت في عين عزوز شيئا لم تره من قبل عين إنسي، مدت يدها العاجية إليه، واختطفته بعيدا حيث مملكة الجان ” (8).

والعنوان /العطش يدور في فضاء قصة ” قطار منتصف العمر “، ويتمثل في  عطش المرأة إلى الحب والرجل، وهذا مقام سابق في القصص السالفة كافة، فهذة البطلة التي تقمصت دور الراوي تنتظر رجلا مجهولا أمام محطة القطار نيابة عن طالبتها الجامعية التي تعرفت إليه عبر “الانترنت”” تتمنى لو أنها الآن في انتظار رجل يخصها هي، كم كانت حياتها ضيقة دون رجل تحبه ويحبها ” (9).

والعنوان / العطش يظهر من جديد في قصة “امرأة استثائية “، وهو عطش إلى الحب، وهذا مقام سالف، يؤكد البؤرة النصية الواحدة لهذه القصص، فيتقمص الراوي دور التمثال العطش ” مرة أخرى ردد التمثال: أحبك، فردد المدرج كلمته”(10)، فهو ينادي الحب، ولا يحظى إلا برجع الصدى.

والعنوان / العطش يحلق في فضاءات قصة” تحقيق صحفي ” فيستمر العطش إلى الحب والبحث عن سبيله، فالنساء في مجتمع الطوارق خلقن للعشق فحسب، وهؤلاء الطوارق يدينون بقانون الحب ؛ لأنهم عطشى إليه ” همست متسائلة: وماذا عن النساء ؟ ماذا يفعلن ؟ قالت شاليفة بدلال ذي مغزى: يُعشَقنَ بقوة”(11). ومنه أيضا ” أما هي فتشعر أنها امرأة بدوية من الطوارق تنعم بالحب والحرية والاحترام “(12).

والعنوان / العطش في قصة “احك لي حكاية ” إذ إن المرأة لا تزال عطشى إلى الحب على الرغم من زواجها الممتد لتسع سنوات، فهي تحلم بذلك الحب الروحي القديم الذي يدور في الطيف ” حتى ذلك الزوج لم يستطع احتلال هذا الجسد أو احتلال هذا الحب، لقد كان قدرا ساخرا لمدة تسعة أعوام، لقد كان زوجا في فراشي، ولكن ليس في روحي، لقد كنت في كل ليلة لك، ومعك، وكل ليلة تركت الباب مفتوحا ؛ليدخل طيفك الساحر وليضمني بجنون” (13).

والعنوان / العطش يتبدى في قصة ” بئر الأرواح ” وكل هذا يحيلنا إلى المقام السابق، وبذا يتجلى التضام النصي على المستوى الأفقي ” فمن ذاق طعم الحب لا يستطيع أن يفجع محبا في حبه، فتركت الأجساد لمن يحبونها، وعادت تحمل الكيس وأمنياتها وعجزها “(14)؟

والعنوان / العطش، عطش الحب يتكون من جديد في قصة ” قطته العاشقة”،ولكنه العطش إلى المرأة هنا، وهذا يحيلنا إلى قصتي الفزاعة وتيتا، فالراوي البطل عطش إلى الحب حد الجنون ” تخيلتها المرأة تعشقني حد الجنون أشبهت كل نساء الأرض، وفارقت كل نساء الأرض، وفي وجداني كانت نساء الأرض معا بيضاء أو سمراء أو صفراء،… بحثت عنها في كل النساء اللواتي عرفت واللواتي لم أعرف، عشقت آلاف المرات ولكنني خبأت العشق حتى تأتي ” (15).

والعنوان /العطش يتمثل في “زاجر المطر” الذي يتقمص هذا الدور” ولذلك عشقها، عشق جسدها البلاستيكي ذا الأديم العسلي، عشق عينيها الساحرتين وعشق قلبها الذي يدق بحبه “(16).

والعنوان / العطش أخيرا يستقر في “الجسد” الذي يتمثل في الحب والحنين والانتظار ” وحتى ذلك الوقت سيعيش حنين موصول إلى الجسد الذي لم يقابله بعد ومن جديد عاد يحترف الانتظار “(17).

وهكذا نرى التضام النصي المتواصل بين هذه القصص، إذ وحد العنوان هذه القصص من أولها إلى آخرها، وكانت دلالاته كلها في العطش إلى  الحب، ولكن الحب الذي يعقبه الحرمان.

 

ثانياً: المكان والتضام النصي

ارتبط المكان في المجموعة القصصية بمدلولات الانتظار والحب والحرمان، وهي ذاتها التي جعلت من الإجراء الأسلوبي المتبدي في العنوان/ العطش وحدة واحدة ذات موضوع واحد فقد دار المكان ضمن  دائرة هذه الدلالة، ويبدو أن الكاتبة أسقطت المكان بطريقة فنية منتقاة، تنسجم وابعاد السرد وأثر ذلك في قبول المتلقي من جديد، فكان المكان ضيقا للراوي يريد الخلاص منه في بعضها، في حين جعلت منه ملاذا للبطل في قصة أو قصتين فقط.

تنطلق الكاتبة من المكان / الصحراء، ذلك المكان الذي هو رمز العطش والضياع والحرمان، فها هو ذا البطل يحدث ذلك في نفسه ” أهو موعد الفراق ؟ وفراق الصحراء فراق جاف عقيم، لا لقاء بعده، يا للصحراء كم ابتلعت من حكايا ! ولكن أنى لها أن تبتلع من يحب..”(18)

وتتحول الكاتبة إلى مكان آخر / المطبخ،فهو نافذة المرأة الوحيدة نحو الأمل والخروج والتطلع إلى الحياة، وهذه النافة تتطلب الانتظار والترقب والحرمان ايضا، فهذ البطلة تمضي الساعات الطويلة أمامه لعلها تحظى بنظرة من جارها الذي أحبته، لأنها تريد أن تهرب من زوج لا يقدرها إلا في الفراش ” تلك النافذة المتصدية بشجاعة لحديقة الجيران هي نافذتها الوحيدة على أنوثتها المنسية، هي نافذة المطبخ الذي تسكنه ساعات طويلة من نهارها “(19). وهذا المكان يحيل القارئ إلى المكان السالف في قافلة العطش، فكان ملاذها الوحيد الذي وسع أفقها، فاكتشفت أنها أنثى ” ثم فتحت هذه النافذة طاقة صغيرة على أنوثتها وولدت لها رغبة الانتظار “(20).

ويبدو أن المكان قد كان ضيقا، فتتحول الكاتبة إلى السماء لعلها تصل إلى حل مبكر لهذه المعضلة معضلة الحرمان والترقب والقلق والانتظار، فقد تهتدي إلى المكان المنشود الذي يحررها من القيود ومن عطشها، فتناجي الآلهة ” لماذا هي مسجونة في هذا الجسد الأنثوي البغيض ؟ تريد أن تتحرر تتمنى لحظة حب واحدة، أهذا كثير على إله السماء ؟ أن تتمنى رجلا يحبها دون نساء الأرض ” (21). ووظيفة المكان ههنا تحلنا إلى وظائفه في القصتين السالفتين وهو ما يؤكد التضام النصي بينها جميعا، فهي لم تجد إجابة على معضلة الحرمان.

وتتحول الكاتبة إلى مكان واقعي – السوق في عمان القديمة، حيث يقبع سبيل الحوريات، فالمكان ههنا امتداد للبعد التاريخي، ووظف المكان ليجمع بين المهندس المعماري (الرسام) وهاجر (المتسولة)، وما رافق ذلك من لقاء أبدي بينهما، فرمز المكان إلى وظيفتين، الفن والبؤس، فهو رمز ومأوى المعذبين في الأرض ولربما المجانين.وهو ينتمي إلى الوظائف السالفة.

والمكان في قصة الفزاعة هو الحقل حيث موئل السلام والسعادة لهاتيك العصافير التي تعاني حرمان السلام، بسبب ما تمارسه الفزاعة من فزع لها كلما هبت الرياح، فتعمل على زجرها، وقد يحتمل المكان ههنا تأويلا آخر وفي هذا نظر.

وتحلق الكاتبة في مكان آخر – جنوب نيجيريا – وما يرتبط به من علاقات مكانية دقيقة كالسوق الشعبي والصحراء والبلدة، وكل ذلك متصل بالبؤر النصية – العطش والحرمان، وإن حاولت الكاتبة توظيف هذا المكان بصورة إيجابية تبدت في خاتمية القصة ” غادرت تيتا المكان، ولكن الأرض بقيت تدور به طويلا، ولم يتوقف به الدوران إلى أن رآها بعد ايام ” (22)، فالمكان ههنا رمز للإيجاب وهذا ما تعبر عنه (ال) العهدية في الدال (المكان)، ولربما يمثل المكان ههنا الجانب المأمول المثالي وإن لم يكن واقعيا ” وكان المكان يعج بالحياة، بحث عنها بعينيه إلى أن وجدها، كانت تجلس  بكامل زينتها وجمالها ” (23).

ولما ضاق المكان، تحولت الكاتبة إلى اللامكان، حيث يقع الجان، في سرد الماوراء، فحياة عزوز الأعور لم يسعها مكان القرية التي مثلت له على الدوام الحرمان والظلم، إذ لم  يسمع طوال حياته امرأة تقول له احبك، ولم تحن عليه امرأة في هذه القرية في حين وجده في العالم الآخر، وهذا ما كان في قصة الرصد ” وكادت لعنة الرصد تحيل عزوز إلى الرماد أيضا، ولكن الجنية الأفعى عشقت في عين عزوز شيئا لم تره من قبل في عين إنسي، امتدت يدها العاجية إليه، وأختطفته بعيدا، حيث مملكة الجان، ومن جديد أقفل باب الكهف على الرصد”(24)، فيبدو أن ضيق المكان جعل البطل  ههنا يبحث عن حل سحري لمعضلة الحرمان المتبدية في شخصية عزوز.

ويرتبط المكان بالحرمان والفقد أيضا في قصة “امرأة استثنائية” فسلطة المكان تدفع  بالبطل المعبر عنه بضميري الغائب والمتكلم في هذه القصة إلى البحث عن اللامكان من جديد وفي هذا تضام والقصة السالفة، إذ استحال المكان سجنا كبيرا، لعل الأمل يبعث فيه من جديد  ” أنا امرأة قادرة على تحرير المأسورين من اسرهم، قادرة على أن ترسم الارتعاش على الشفاة الميتة، قادرة على أن تبعث الحياة في القلوب الميتة، أنا امرأة استثنائية، اقترب مني… لم تجد  عالمها في اي مكان، لذا خلقته من بنات افكارها ” (25)

ويوظف المكان في قصة” قطار منتصف الليل ” بدلالة الترقب والانتظار والاضطراب والتوتر، والتطلع إلى الحياة، وهذا يحيلنا إلى المكان في قصة النافذة العاشقة مما يؤكد التضام النصي، ” وصل القطار جلبته وصفيره الجريئان يشقان الليل، حرارته تصك وجهها الذي كاد يتجمد من البرد.. لكن التوتر كان يمنعها من ذلك تبحث في حقيبتها عن لا شيء،  تفك قدما عن أخرى، تعتدل في جلستها، يزادد وجيب قلبها، تتمنى لو أنها الآن في انتظار رجل يخصها هي، كم حياتها ضيقة دون رجل تحبه ويحبها (26).

وتعود الكاتبة إلى المكان/ الصحراء من جديد،في أرض (تيغمار) حيث بدو الطوارق ومع أن البطل بدا كارها للصحراء في بداية الأمر، إلا أن الكاتبة حولت رأيه إلى حبها، فكانت الصحراء المكان المنشود لخلاص المرأة من الحرمان والفقد والظلم، فبدت الصحراء مكانا للحرية وهنا تبدو المفارقة الإيجابية، وهذا ما يحدث كسرا للتوقع عند القارئ بعدما تولدت له صورة سلبية للمكان في هذه القصص ” هي تكره الصحراء لأنها تشبه قسوة حياتها، وتكره أنها مضطرة إلى أن تتجشم رحلة طويلة في صحراء لا تعرف لها نهاية تبتلع الآهات والبشر والرغبات “(27)، فوظيفة المكان هنا تحيلنا إلى وظيفته في القصص السالفة أيضا وهنا يكمن التضام النصي من جديد لعيبر عن لحمة النص وتماسكه وانسجامه واقترانه.

بيد أن اثر المكان/ الصحراء هذا يتبدى بالوظيفة نفسها ويتكرر بالقصة ذاتها، ذلك المكان الذي اغتصب حقوق المرأة واختيارها ” بدت متبرمة فضولية وهي تسأل شاليفة عن حياتها وعن الصورة الاجتماعية  لامرأة الطوارق… لتقفل راجعة إلى العاصمة أكثر من الوقوف طويلا عند حياة افراد تظن أنهم في هكذا مفازة قد يقدمون حياة  ناقة جرباء على حياة امرأة ” (28).

وبعد هذا السرد تعمل الكاتبة على كسر توقع القارئ، عندما تتحول نظرة البطل / المرأة على الصحراء التي  وجدت فيها قيمة للمراة ما بعدها قيمة، فتسأل الصحفية /البطلة الزعيم الديني المحلي للطوارق المسمى بـ(سيدي الطالب رجب)عن زوجته ” سالته بفضول تحاول أن تخفيه: وإلى أين رحلت ؟ هل اختفت في الصحراء ؟ فتقهقه الطالب رجب وقال: بل رحلت إلى الخيمة التي بجوار خيمتي، أحبت جارا لي فطلقتني وتزوجته” (29).

وبعد هذا قررت الصحفية اختيار المكان/ الصحراء، لأنه يعبر عن حريتها واختياراتها والخلاص من حرمانها المتبدي في واقع زواجها السيء في العاصمة، حيث كانت تواجه الضرب من ذلك الزوج ” تلك الصحفية اختفت منذ أن دخلت تيغمار، اما هي فتشعر بأنها امرأة بدوية من الطوارق تنعم بالحب والحرية والاحترام”(30).

إلا أن الكاتبة التي كانت تتقمص دور البطل ودور الراوي، وهي الراوي العليم بالأحداث من بدايتها إلى نهايتها،  اصرت ان تختار وظيفة الضياع للمكان الصحراء من جديد، فخاتمة القصة تدل على ذلك الضياع، وأنه لا قيمة للمرأة في هذا المحيط ” في ما بعد اصدرت محكمة ما في العصمة حكم طلاق الصحفية من زوجها بعد أن ذكرت الصحف اليومية أنها ضاعت في الصحراء، ولم يعنّ أحد نفسه ليبحث عن امرأة عاشقة قد اختفت في الصحراء في مهمة صحفية “(31).

وهكذا نرى أن  المكان في هذه القصص كان  يدور في مدار واحد، وظيفته ارتبطت بالفقد والضياع والانتظار والترقب والتطلع إلى الحياة، وهذه البؤر النصية المتجاورة في الدلالة يمكن جمعها في بؤرة نصية واحدة انطلقت منها الكاتبة وهي الحرمان، مما يعني ان أواصر التعالق في هذه القصص حتمية، وأخيرا الوصول إلى التضام النصي وكأنها أي القصص لوحة فنية واحدة.

الهوامش:

  1. قافلة العطش، ص 13.
  2. النافذة العاشقة، ص 15.
  3. رسالة إلى الآلهة، ص 20.
  4. الفزاعة، ص 30.
  5. سبيل الحوريات، ص 34.
  6. سبيل الحوريات، ص 34.
  7. تيتا، ص 43.
  8. الرصد، ص 48.
  9. قطار منتصف الليل، ص 54.
  10. امرأة استثنائية، ص 50.
  11. تحقيق صحفي، ص 65.
  12. تحقيق  صحفي، ص 70.
  13. احك لي حكاية،  ص81.
  14. بئر الأرواح، ص 91.
  15. قطته العاشقة، ص 94.
  16. زاجر المطر، ص 114.
  17. الجسد، ص 125.
  18. قافلة العطش ص3.
  19. النافذة العاشقة، ص 16.
  20. النافذة العاشقة، ص 16.
  21. رسالة إلى الآلهة، ص 20.
  22. تيتا، ص 40.
  23. تيتا، ص 42.
  24. الرصد، ص 48.
  25. امرأة استثنائية، ص 50.
  26. قطار منتصف الليل ص 58.
  27. تحقيق صحفي، ص 65.
  28. تحقيق صحفي، ص 63.
  29. تحقيق صحفي ص 70.
  30. تحقيق صحفي، ص70.
  31. تحقيق صحفي.

 

تابعونا على الأندريد

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.